لماذا القرار الاستراتيجي؟.. دوائر الصناعة والدعم

مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات

مدخل

الدولة كائن جغرافي يولد في التاريخ.. ويحيا بالاقتصاد وينضج بالصراع ويعجز بالجهل، لذا يحكم المستقبل بقوة صناعة القرار, فعلى طاولة الجغرافيا المستديرة تنسج رقعة شبكة المصالح لتتحرك قطع شطرنج السياسة الدولية بما يؤثر على الاقتصاد كمعامل أساس لتحريك المجتمعات لتنتج نظمًا سياسية قادرة أو عاجزة عن صناعة قرارها الاستراتيجي.

على خلفية ذلك التوصيف يمكننا الوقوف على مدى تباين وتعقيد أبعاد عملية صناعة القرار ، لتظل رهن هذا التعقيد بين أوراق كلاسيكيات العلوم الاستراتيجية التي تم تناولها بمنظور جزئي لكل تخصص دون تكامل, لتنصب العلوم السياسية على دراسة آليات صناعة القرار السياسي والقيادة المسؤولة عن اتخاذ القرار على المستوى الداخلي والخارجي للدول([1])، في حين ركزت العلوم الاقتصادية على تناول القرارات الاقتصادية التي تعمل في إطار عدد من النظريات والتوجهات الاقتصادية, ثم نجد علوم النفس والاجتماع تعمل على دراسة العوامل الاجتماعية التي تؤثر في معدل الاستجابة للقرارات السياسية والاقتصادية وارتباطها بسيكولوجية القادة القائمين على القرار، وتنفصل العلوم الإدارية لتؤصل للقرار بمنظور مؤسسي مجرد يفصل بين نماذج صناعة القرار وإدارة الأزمات والتخطيط الاستراتيجي كنماذج متوازية تعمل على أهداف مشتركة.

ليقع باحثو العلوم الاستراتيجية في جدليات التاريخ وتحليل ورصد الأحداث دون منهجية قادرة على استشراف المستقبل، وإن تم ذلك فإنه يقود إلى نتائج لا ترتقي لتكون منهجًا علميًا لإدارة المستقبل أو حتى دعم متخذ قرار، ولا يحق لنا تعميم التوصيف بقدر ما نحاول الإشارة لضرورة مراجعة منهجية تلك الحالة من التشتيت التي تزامنت وربما تسببت في تعقيد وتكرار الجهود البحثية المبذولة للتنظير لعملية صناعة القرار على المستوى الاستراتيجي.

وبالرغم من هذا التباين من حيث منظور التناول لكل تخصص إلا أن هذا التراكم العلمي كان بمثابة تأصيل شامل ولكنه غير مترابط لعملية صناعة القرار ليظل الأمر كذلك حتى تم إصدار كتاب بعنوان “صنع القرار كمنهج لدراسة السياسة الدولية” عام 1954، ليصبح هذا الكتاب بمثابة أول طرح علمي يركز على عملية صناعة القرار من خلال الدمج لا الفصل بين العلوم الاستراتيجية بهدف الوصول لتحليل منهجي لعملية صنع القرار الاستراتيجي([2])، لتنتهي بهذا الطرح أكذوبة إدراج عملية صناعة القرار الاستراتيجي تحت مظلة تخصص بعينه.

ربما يعتقد البعض أننا نحاول في هذا الطرح تصدير رؤية مفتعلة للترويج لمسمى الإصدار في تصدير العدد الأول، وهذا صحيح ولكن ليس كمسمى إصدار علمي ولكن كضرورة استراتيجية لمستقبلنا، هذا إذا أردنا الوقوف على توصيف دقيق لتلك الضرورة، فإنها لا تنفصل كثيرًا عن أزمات واقعنا، أو بالكاد هي أقرب لأحد أطوار تاريخنا, ولسنا في صدد استدعاء دلالات تاريخية لإثبات ذلك، ولكن كل ما نحاول إثباته في سياق هذا الطرح أن دوائر صناعة القرار الاستراتيجي للدول ليست بالسذاجة التي تروج لها منصات الإعلام الدولي لخدمة شبكة مصالحها.

وتحقيقًا لهذا الأمر سنتناول القرار الاستراتيجي من خلال ثلاث دوائر عمل رئيسية تشمل ما يلي:

الدائرة الأولى: ثلاثية القرار.. الدعم – الصناعة– الاتخاذ

صناعة، دعم، اتخاذ.. بتلك الثلاثية دائمًا يتم توصيف القرار الاستراتيجي كنتيجة وليس أساسًا لمنظور أشمل لعملية متكاملة تشمل تلك الثلاثية المتداخلة التي تجعل من عملية صنع القرار مضللة غالبًا وغائبة أحيانًا عن تفاعلات الأحداث رغم كونها المحرك الرئيس لها، وهذا المطلوب كأحد مقتضيات القرار الاستراتيجي المتمثل في الجاهزية المستدامة والتعتيم المتعمد لتفاصيل تلك الصناعة التي تبدو علنية في ظاهرها معقدة ومنفصلة المراحل متصلة من حيث وحدة الهدف، كل ذلك فتح الباب لمنظري أكذوبة نظرية المؤامرة المفتعلة بجهل علمائها, فتلك المؤامرة ليست إلا لعبة استراتيجية تتضمن تفاعلًا معقدًا متعاقبًا لقرارات استراتيجية ترسم خريطة العالم كلوحة سريالية لما وراء الطبيعة، رغم أن هذا التعقيد هو ميراث التاريخ للحاضر، وكما سيكون في المستقبل أو ربما أكثر تعقيدًا.

أولا: أجيال القرار

ثلاثية القرار تخضع لمدارس وأنماط وهو ما سيتم استعراضه وفق توصيف خاص بالطرح من خلال تقسيمها لأجيال، وذلك بهدف إنهاء حالة الفصل بين المدارس المتخصصة في العلوم الاستراتيجية حول جدلية تبعية عملية صناعة القرار، ويمكن تقسيمها بإيجاز إلى أربعة أجيال([3]):

الجيل الأول: قرار الحركة الواحدة

مسمى هذا الجيل يعبر عن آليات صناعته، فهو قرار من مرحلة واحدة تتمثل في “اتخاذ القرار”، ويعتمد في صناعته على دعم التابعين لرؤية شخص القائد المعني باتخاذ القرار, وهو نموذج تاريخي أكثر منه معاصر ورغم ذلك هناك من يتبعه حتى الآن.

الجيل الثاني: القرار الهرمي التسلسلي

وهذا الجيل يتبع إطارًا هرميًا مؤسسيًا للدولة، حيث يتم تقسيم الهدف الرئيسي من القرار إلى مجموعة أهداف فرعية بهدف صياغة قرارات متخصصة داعمة لصناعة القرار، وهذا الجيل أقرب من حيث النظامية والتزامه بالقوانين وهرمية السلطة للمدرسة الإدارية في صناعة القرار، وقد أثبتت تلك المدرسة جدارتها في إدارة المؤسسات الحكومية والجيوش النظامية حول العالم لتصبح ذات منهجية وطابع خاص في عملية صناعة القرار الاستراتيجي، خاصة في أوقات الحروب والأزمات.

ويمكننا استحضار أزمة الصواريخ الكوبية مثالًا لتطبيق هذا الجيل، حيث تم صناعة القرار من خلال فريق إدارة أزمة لاتخاذ القرار؛ يتكون من مجموعة خبراء مختارة بتكليف من الرئيس جون كنيدي لأعضاء اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي لدراسة جميع الخيارات المتاحة، وتقييم التكاليف والمكاسب لكل خيار أو بديل, وقد كانت عملية صنع القرار في تلك الأزمة مهمة معقدة للغاية، خاصة أن أعضاء الفريق كان لديهم أولويات مختلفة في صياغة مصفوفة دعم القرار الرئاسي، كالتالي([4]):

  • ينبغي أن ننتظر ولا نفعل شيئًا، فالعملية فخ سياسي وعسكري لتوريط أميركا في حرب تمنح الروس تذكرة دخول برلين من جديد, وقد أوضح أنصار هذا السيناريو أن السوفييت تعمدوا أن تكتشف الولايات المتحدة عملية انتشار الصواريخ، فيتم ضربها، فيثور عليهم العالم ويمنح نفسه غطاء لاجتياح برلين المتواجد بها آلاف الجنود الأميركيين (تردي إدارة الأزمة).
  • ممارسة ضغط دبلوماسي وفرض عقوبات دولية على كوبا تحت مظلة الأمم المتحدة (تدويل الأزمة).
  • فتح مسارات للحوار غير المعلن مع كوبا والاتحاد السوفيتي (احتواء الأزمة).
  • فرض الحصار على كوبا واعتراض السفن السوفيتية، فكوبا بالنسبة للاتحاد السوفيتي مركز متقدم للعدو، وتتدفق عليه المعونات السوفيتية منذ بداية عام 1962، فالحصار يستهدف منع نقل مزيد من الصواريخ والإمدادات العسكرية، وبذلك يكون لدى أميركا 22 ألف مقاتل سوفيتي محتجز دون إمدادات أثناء الأزمة (تحرك حذر).
  • تنفيذ ضربات جوية لمواقع إنشاء الصواريخ.
  • اجتياح عسكري شامل لكوبا (مواجهة مباشرة).

يتضح من مصفوفة نموذج هذا الجيل مدى شمولية وتناقضات البدائل لتشمل استراتيجيات التعامل من نقطة تجميد الموقف إلى ضرورة التصعيد الشامل، ورغم قدرة هذا الجيل على طرح حزمة فاعلة من بدائل القرار على كافة مستويات هرمية صناعة القرار إلا أنه يأخذ عليه أنه لا يعمل وفق أولويات موحدة، إضافة لوجود تعارض مصالح بين القائمين على عملية الصناعة حسب موقع كل منهم في هرمية صناعة القرار.

الجيل الثالث: القرار التفاعلي متعدد الاتجاهات

وهو يكاد يكون إصدارًا مطورًا من الجيل الثاني إلا أنه يتمتع بإطار أكثر مرونة من حيث تعامله مع المراكز والمؤسسات العلمية المتخصصة، إضافة إلى قدرته على تعديل الأهداف الفرعية وفق توصيات المؤسسات القائمة على تحقيقها، وهذا القرار يقع دائمًا في دائرة قياس الفعل ورد الفعل وهو ما كانت تعتمده الإدارة الأميركية حتى الحرب الباردة، قبل أن تعدل الولايات المتحدة استراتيجيتها لتصبح معتمدة على دوائر مغلقة لصناعة القرار، ثم يتم نسج خطوط تمهيدية لإعلان القرار بغطاء دبلوماسي وإعلامي تخلط بين الترويج لجوهر القرار وشائعات حوله، وذلك بهدف منح فريق صناعة القرار فرصة لقياس مردود التأثير قبل إعلان القرار، والعمل على توفر مزيد من الضمانات الاستباقية لمتخذ القرار حيال الملف المزمع الفصل فيه, وقد كان الميلاد العملي لهذا الجيل ما بين 1961- 1965 عندما استخدمت الولايات المتحدة نظام التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع، وأحدث نجاحًا كبيرًا، مما دعا الرئيس الأميركي ليندون جونسن إلى إصدار توجيهات في أغسطس 1965 بتفعيل منظومة التخطيط الاستراتيجي في كل الأجهزة الفيدرالية للحكومة الأميركية، تحت اسم “نظام التخطيط والبرامج والموازنة”، وواكبت التوجيهات الرئاسية مشاركة لمنظومة التعليم، فشرعت أغلب كليات إدارة الأعمال بتدريس منهج التخطيط الاستراتيجي ضمن مقرراتها تحت اسم “السياسات الإدارية”، ثم تحول هذا المقرر الفرعي لقسم داخل الكليات يحمل اسم “التخطيط الاستراتيجي”, وسريعًا ما عبر مفهوم التخطيط الاستراتيجي حدود الولايات المتحدة الأميركية إلى كل من أوروبا وآسيا ليجعل من مستقبل الأولى اتحادًا اقتصاديًّا، ومن الثانية نمورًا اقتصادية، لينضج هذا النموذج عام 1976 بظهور أول نموذج شامل لمفهوم التخطيط أطلق عليه “فلسفة الدفع”، أي مصادر القوة للدولة وسبل صياغة الأهداف الشاملة لها والأهداف الفرعية للوحدات المكونة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأهداف الشاملة تعد الجسر ما بين الاستراتيجية الشاملة(comprehensive strategy) وأهداف الوحدات المكونة لها([5]).

الجيل الرابع: القرار المعكوس

هذا الجيل رغم وجوده عمليًا منذ الحرب العالمية الثانية في أروقة البيت الأبيض والكرملين إلا أنه ظل يدرج بكونه أحد أشكال وأنماط الجيل الثالث، رغم أنه يختلف من حيث أسلوب عمل دائرة صناعة القرار, وسنحاول في سياق الطرح توصيف عملية صناعة القرار المتبعة في سياقه، فهو جيل يعتمد على نظام مرن للغاية، مغلق ويكاد يكون سريًا، فهو يقتصر على مجموعة محددة معنية باتخاذ القرار، كما يعتمد على توجيه الجامعات والمراكز البحثية والصحف من خلال منهج متسلسل لا مركزي يمهد للقرار، ويعمل على توفير المعلومات بقدر الحاجة لكل مستوى قرار في الدولة، وذلك بهدف تحقيق أهداف منفصلة في ظاهرها متكاملة من حيث الوسائل، ليكون ذلك أشبه بعصف ذهني لمؤسسات الدولة لتوفير المعلومات وصياغة تقديرات لكل الملفات المستهدف طرحها على طاولة متخذ القرار, وللإشارة فقد تم توصيف هذا الجيل بالقرار المعكوس لاعتبارين، الأول أنه يستخدم كمعكوس لأزمات محتملة يتم التعامل معها بمنطلق قرار منعها لا احتوائها، الاعتبار الثاني أن هذا الجيل يتم فيه اتخاذ القرار بشكل مسبق ثم تتم صناعته لفرض حالة أو وضع خارج حسابات العدو وربما الصديق, موظفًا بذلك نقاط القوة في الجيل الثاني والثالث ليعد بذلك أكثرهم تعقيدًا من حيث الصناعة وتداخل الأهداف بتسلسل معكوس متباعد يصب في إطار هدف استراتيجي معلن كان أو غير معلن.

ولنا في قرار نصر أكتوبر العظيم نموذج تاريخي للقرار المعكوس، فقد كانت استراتيجية العدو قبل أكتوبر تتمثل في تجميد الموقف على طول الجبهات العربية، وذلك من خلال الاعتقاد بأن التحصن في نقاط دفاعية أمام جغرافيا منيعة كفيل بالإبقاء على الأراضي المحتلة، وقد بدا هذا واضحًا في تمركز العدو خلف قناة السويس كمانع مائي وعلى هضبة الجولان الكاشفة للجبهة السورية.

وكانت الاستراتيجية الدفاعية للعدو تعتمد على فرضية احتمالية شن العرب هجمات متزامنة على الجبهات المختلفة، بما يقتضي تصفية الموقف على أكثر الجبهات تهديدًا لأمن إسرائيل عن طريق الحرب الخاطفة مع تثبيت الجبهات الأخرى.

فكان القرار الاستراتيجي المصري والعربي معكوسًا لقرار إسرائيل المتمثل في الحرب الخاطفة السريعة لتبدأ بقرار حرب الاستنزاف على مدى زمني متقطع تحت غطاء موجات متتابعة من الخداع الاستراتيجي، لتكون استراتيجية قرار أكتوبر بمثابة معكوس لأهداف صناعة القرار الإسرائيلي([6]).

ثانيًا: مرتكزات دائرة القرار

تلك الأجيال في مجملها تشمل نماذج تفصيلية حول طبيعة القيادة القائمة على عملية صناعتها، فهل هي تعتمد مدرسة السياسة البيروقراطية ( (bureaucratic politicsأم السياسة المؤسساتية (politics organizational) لتشكيل فريق صناعة القرار؟ وما هو منهج الصناعة هل من خلال نظرية استبعاد غير المقبول أولًا ( (poliheuristic theory أم منظور نظرية تجنب الخسائر وتتابع الاحتمالات (prospect theory) أم كلاهما؟ هل القرار يصنع أم يدعم؟ وهل بالضرورة يتم تفعيله بعد صناعته؟

دون الإغراق في شرح تفصيلي لأجيال صناعة القرار يمكننا الإجابة على تلك التساؤلات من خلال الوقوف على توصيف ثلاثية القرار المتشابكة دون الوقوع في جدليات التنظير الجاف للمصطلح وغاية صياغته وذلك وفق تسلسل وتكرار كل منها على دائرة القرار )نموذج رقم 1) كالتالي:

  1. صناعة القرار، وتشمل تشكيل فريق صناعة القرار ليتولى مهمة تقدير وتحليل الموقف ((Situation Analysis للخروج بالسيناريوهات المحتملة وصياغة بدائل استراتيجية للتعامل مع كل سيناريو حال حدوثه.
  2. اتخاذ القرار، جرت العادة أن يتم ربط لفظ اتخاذ القرار بتفعيله، وهذا غير دقيق على إطلاقه، فقرار الحرب يصنع ويتم اتخاذه ولا يعلن إلا وفق توفر عدة عوامل تحدد بشكل مسبق أثناء عملية الصناعة.
  3. دعم القرار، تعد عملية بينية تتم على مدار المراحل السابقة الرئيسية لدائرة القرار (صناعة – اتخاذ – إعلان)، وذلك على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: دعم صناعة القرار، وتشمل مرحلة جمع وتحري المعلومات بهدف استشراف المؤشرات تجاه الملفات التي تستدعي اتخاذ قرار من القيادة ورفع حالة الإنذار المبكر للقيادة حال وجود أزمة.

المستوى الثاني: دعم اتخاذ القرار ، دعم وترجيح قرار لكل سيناريو والعمل على توفير كل العوامل المعاونة لضمان قوة القرار وسرعة تفعيله فور إعلانه.

المستوى الثالث: دعم إعلان القرار، توفير رؤية للدعم الإعلامي والدبلوماسي بشكل يمهد لإعلان القرار ثم الترويج له بعد الإعلان.

  1. إعلان القرار والمتابعة، تحديد قنوات إعلان القرار ومتابعة المستجدات التي تتبع الإعلان والعمل على تطوير رؤية تفعيل القرار بما يتواكب معها.

وبهذا يتضح مدى تداخل وتشابك عملية الدعم لتكون العنصر المشترك في عملية الصناعة والاتخاذ والإعلان, وجدير بالإشارة أن النموذج السابق يمكن تعميمه على مجمل مستويات التخطيط والقرار (استراتيجي, تكتيكي, تشغيلي)، تلك الجدليات النظرية حول توصيف عملية صناعة القرار الاستراتيجي تجعل متخذ القرار يعمل بمعزل عن التوصيفات العلمية المجردة التي ثبت أنها غير جديرة بالتفعيل على أرض الواقع، فالقرار الاستراتيجي في مجمله يقبل التفصيل حسب الاتجاه ولكن يرفض الخروج عن المنهج، لذلك تنفيذ تلك المراحل ربما بعشوائية أو بتوصيفات مرحلية لتجاوز أزمة تعقيد المهام بين القائمين على القرار الاستراتيجي يصنع أزمة جديدة في عملية الصناعة نفسها.

نموذج رقم (1)

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو القرار-الاستراتيجي-عربي-1.jpg

المصدر: من إعداد الباحث.

الدائرة الثانية: متباينات التكامل.. القرار الاستراتيجي – التخطيط – إدارة الأزمة

لماذا القرار الاستراتيجي؟ الإجابة باختصار هكذا تصنع الدول مستقبلها، ولكن هل كل قرار يمكن أن يمنح توصيف استراتيجي؟ الإجابة وفق أغلب ما ورد في الدراسات التي تناولت هذا التساؤل (ليس كل القرارات تمنح الصفة الاستراتيجية، فالقرار الاستراتيجي في اعتقاد الغالبية هو القرار الذي يرتبط بالمدى الزمني كمؤشر لتوصيف القرار الاستراتيجي بكونه قرارًا طويل الأجل (رؤية مستقبلية) – أو قرار عاجل (إدارة أزمة), هذا التباين في منح الصفة الاستراتيجية من عدمه فتح الباب لاثبات قاعدة اساس للطرح وهي حينما يعجز التخطيط عن استشراف مخرج الأزمات يتخبط القرار الاستراتيجي للدول، لذلك فحالة الفصل بين التخطيط وإدارة الأزمة وصناعة القرار الاستراتيجي وفق الأدبيات المطروحة نظرية أكثر منها عملية، فبتوصيف دقيق القرار الاستراتيجي هو المحطة قبل الأخيرة في عملية الإدارة الاستراتيجية لعملية صناعة القرار وليس عاملًا منفصلًا أو مساعدًا كما ندعي، وعلى ذلك يمكننا أن نضع توصيفًا ليس بجديد بقدر ما هو محدد لعملية صناعة القرار، وهو “إدارة المستجدات”.

أولا: أركان التكامل

يكفي القول بأن مصطلح الأزمة(Crisis) مشتق من الكلمة اليونانية (Krisis) والتي تعني “لحظة القرار”

(Moment of Decision) ، ربما تكون تلك دلالة كافية لإثبات حالة الارتباط الجذري بين عملية إدارة الأزمة وصناعة القرار ([7]). وبعيدًا عن الارتباط اللغوي ينبغي أن ندرك أن القرار الاستراتيجي وسيلة تحقيق الغاية العليا للدول وأهدافها الوطنية لحماية مصالحها وفق منظومة متكاملة للإدارة الاستراتيجية للدولة, لذلك نجد أن نماذج صناعة القرار تكاد تكون مجتزئة من نماذج التخطيط والإدارة الاستراتيجية وإدارة الأزمات إلا أن هناك حالة فصل لعملية صناعة القرار كإجراء منفصل رغم ضرورة التكامل بين مراحل نماذجه الثلاثة التي ترتكز في مجملها حول ثلاثة محاور يصطف بين أركانها مستويات التخطيط والقرار الاستراتيجي، وهي:

  1. القيادة

إذا فشلت الخطة، يسأل متخذ القرار عن ذلك فمن خلال تحليل شخصية متخذ القرار يمكننا استشراف ردود فعله ومستوى احترافية صياغة قرارته، وهو ما يبرر اهتمام مراكز الفكر في الولايات المتحدة بدراسة وتحليل وتتبع ممارسات القادة بشكل دوري كمعامل أساس لعملية صناعة القرار واتخاذه. لتصبح تلك المراكز مصدر لترشيح القيادات وفق سياسة تتبعها الولايات المتحدة تسمى الباب الدوار (Revolving Door) ، حيث يتم تعيين غالبية مستشاري الرئيس من مراكز الأبحاث، فعلى سبيل المثال جاء من هذه المراكز البحثية داهية السياسة الخارجية الأميركية هنري كيسنجر، وارن كريستوفر، مارتن أندك، ألكسندر هيغ، مادلين أولبرايت ريتشارد برل، بول وولفيتز، كولن باول، صامويل هنتنغتون، دونالد رامسفيلد، ديك تشيني، ريتشارد أرميتاج، زلماي خليل زاد، جون بولتون، فرنسيس فوكاياما، كوندوليزا رايس، بل إن 60% من مساعدي وزراء الخارجية في الولايات المتحدة جاؤوا من مراكز الأبحاث( [8]).

وهذا ليس تحيزًا لدور تلك المراكز بقدر ما هو توظيف للقدرات التخصصية لها لدعم متخذ القرار بشكل عملي على أساس علمي.

2- المعلومات

تعد عملية تحري المعلومات والجمع بمثابة قاعدة الأساس لتحديد مدى الجاهزية لاستشراف الأزمات والتعامل معها، كما أنها تعد من قوة عملية الخطة الاستراتيجية ودقة تنفيذ القرار, ويتم تدفق المعلومات بقدر الحاجة من خلال قاعدة بيانات محكمة، وحال وجود حالة من العشوائية أو تناقض في البيانات المدرجة تكون عملية صناعة القرار بها خلل، ومن ثم كل المراحل لا تخضع لتسلسل يمكن من خلاله الوصول للهدف بقدر ما تنحرف وفق مستجدات تطور الموقف ليتحول القرار من الإطار المستهدف للمستهلك بحكم بيئة الصناعة ومجال التفعيل.

  1. تقدير الموقف

يعد تقدير الموقف بمثابة البداية الفعلية لكل من صناعة القرار وإدارة الأزمات والتخطيط الاستراتيجي بكونه يبدأ من تحليل المؤشرات والعمل على دراسة التغيير المفاجئ Sudden Change)) في الموقف ودراسة أطرافه وتقدير الإمكانيات وعامل الوقت وتكلفة كل سيناريو قرار مطروح للتعامل حيال الموقف، ومن ثمَّ رفعها لمتخذ القرار، بل وإعداد نماذج محاكاة لدوائر اتخاذ القرار للعدو إذا لزم الأمر.

ثانيًا: هرم التكامل بين إدارة الأزمة ومستويات التخطيط والقرار الاستراتيجي([9])

يمكننا رسم أضلاع هرم التكامل بين أركان مشتركة للتكامل وفق ما سبق في سياق الطرح (القيادة – المعلومات – تقدير الموقف)، ليقوم هرم التكامل وفق أهداف التخطيط الاستراتيجي وعملية صناعة القرارات على ثلاثة مستويات متكاملة رأسيًا وأفقيًا لكل منها.

هنا نجد التخطيط يندرج على مستويات الهرم من الأعلى للأسفل بتسلسل استراتيجي, تكتيكي, تشغيلي, لتعمل كمراكز متوازية لصناعة مستويات القرار وفق التسلسل نفسه لكل مستوى استراتيجي, تكتيكي, تشغيلي, لتعمل تلك المستويات في إطار مرون وقابل للتعديل والمراجعة بشكل مستمر لتقع ضمن مرحلة تنفيذ القرار وفق نموذج الإدارة الاستراتيجية للدولة، وعلى ذلك يمكن إثبات فرضية التكامل بين مستويات هرم التخطيط والقرار الاستراتيجي على قاعدة أركان مشتركة، كالتالي:

نموذج رقم (2)

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو القرارالاستراتيجي-عربي-2.jpg

المصدر: من إعداد الباحث.

وفقًا للنموذج السابق يمكننا استعراض ماهية رأس وأركان هرم التكامل على أساس مجموعة من الثوابت بكون أركان هرم التكامل تكاد تطابق مثلث إدارة الأزمة لتتصل الأضلاع ليندرج بينها مستويات التخطيط والقرار الاستراتيجي، وإيضاحًا لهذا التكامل سنعمل على استعراض موجز لتعريفات تكوينات التكامل للوصول إلى صياغة معادلة التكامل التي ستكون معامل الأساس في طرح النموذج المستهدف لعملية صناعة القرار الاستراتيجي، وذلك كالتالي:

القرار الاستراتيجي strategic decisions) )

هو القرار متعدد الأبعاد الذي يؤثر بعمق في واقع ومستقبل الدولة، ويتم صناعته ضمن دائرة مغلقة تعمل بتكليف من السلطة العليا بالدولة لصياغة رؤى مستقبلية تستهدف تمكين الدولة من مواجهة كل التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية المحتملة على كافة مستويات القرار سواء أكان استراتيجيًا أو تكتيكيًا أو تشغيليًا، وفق نموذج متكامل للإدارة الاستراتيجية ((Strategic Management([10]).

التخطيط الاستراتيجي ((Strategic Planning

التخطيط هو كتالوج المستقبل، إذا أردنا النظر فيه. فهو بمثابة إطار علمي شامل ومتكامل، تشارك فيه جميع المستويات الإدارية لتقييم الإمكانيات وصياغة الاستراتيجية العامة ((Corporate Strategy والخطط التكتيكية ووضع السياسات التشغيلية في ضوء البرامج الزمنية والموازنات القادرة على تحقيق الأهداف، وذلك في ظل افتراضات تراعي عنصر الأزمات والطوارئ حال حدوثها لتكون عملية التخطيط الاستراتيجي بمثابة صناعة للقرار تنتظر تنفيذها ([11]).

إدارة الأزمات ((Crisis Management

فن إدارة الاحتمالات وتحقيق توازنات القوى ورصد حركتها واتجاهاتها واستشراف نتائجها والتكيف مع المتغيرات وتحريك الثوابت على كافة مستويات القرار سواء استراتيجي – تكتيكي – تشغيلي، في ظل حالة من عدم التأكد وضيق الوقت([12]).

من مجمل التعريفات السابقة وبالربط بين عناصرها يمكننا التوصل لصياغة أولية لمعادلة الارتباط والتكامل بينها كالتالي:

التخطيط الاستراتيجي = تقدير الموقف + صناعة القرار

إدارة الأزمة = التخطيط الاستراتيجي + اتخاذ القرار

القرار الاستراتيجي = التخطيط الاستراتيجي + إدارة الأزمة + متابعة القرار

بتوصيف أدق إن التخطيط وإدارة الأزمة ليسا إلا حلقات في سلسلة الإدارة الاستراتيجية لعملية صناعة القرار.

ثالثًا: التحديات المشتركة لهرم التكامل

لعل أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية صناعة القرار هي غياب المنهج العلمي رغم وجود توجه قومي، وفي تلك الحالة ترتبط القرارات بالحكومات المتعاقبة وليس بغاية ورؤية الدولة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

  • تعقيد هيكلة صناعة القرار وتعارضها مع منظومة التخطيط الاستراتيجي وتخبطها أمام الأزمات.
  • ثقافة القرارات المستهلكة المتمثلة في زيادة عجلة دوران عملية صناعة القرار على مراحل دون مرعاة لمدى التأثير الزمني.
  • عشوائية المعلومات وعدم وجود خريطة للمخاطر تحدد حجم التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية.
  • تعقيد خريطة تدفق اتخاذ القرار الاستراتيجي على المستوي التكتيكي والتشغيلي.
  • عشوائية النظام المؤسسي القائم على عملية الصناعة كفيل بإنتاج الأزمات وتكرارها ليصبح هو في حد ذاته الأزمة.
  • تصدير الأزمات من خلال عملية الإدارة بالأزمات (Management by Crisis) “التخطيط لصناعة الأزمة”، بصورة حقيقية أو مفتعلة، ثم استثمارها لتعطيل أو تمرير قرار كان يصعب اتخاذه في الظروف العادية، وتلك الحالة تعد أحد أهم التحديات لعملية صناعة القرار لاعتمادها على تعقيد متعمد لعملية الصناعة في ظل إطار من الخداع الاستراتيجي في اتخاذ القرار .
  • قدرات القادة القائمين على اتخاذ القرار وصعوبة قياس معدلات إنجاز عملية صناعة القرار خاصة وقت الأزمات.
  • صعوبة تحديد المدى الزمني المناسب لإعلان القرار وعدم وجود معيار لقياس معدل الاستجابة للقرار.
  • جميع أجيال ومدارس صناعة القرار قابلة للتطبيق لاتخاذ القرار نفسه دون تعارض، هذا إن توفرت رفاهية الوقت والتكلفة وهو ما يزيد من عملية تعقيد عملية الصناعة.
  • اتخاذ القرار لا يعني بالضرورة إعلانه.

الدائرة الثالثة: مصفوفة صناعة القرار الاستراتيجي (Strategic decision-making circles)

يمكننا توصيف مصفوفة صناعة القرار الاستراتيجي المقترحة في سياق الطرح بكونها مجموعة من الدوائر المتداخلة في الهدف المتباينة من حيث الإحداثيات أو حيثيات القرار تعمل جميعها وفق آلية تكامل معقدة للغاية يصعب أو يسهل على المتابع إيجاد عوامل ارتباطها حسب السياسات المتبعة لعملية الصناعة وفق منهج وتوجه عملية الصناعة وموضوع القرار، فهناك قرارات تتوجب إطارًا من السرية، وهناك ما تتم في إطار من الشفافية والمشاركة([13]). لذلك فعملية صناعة القرار الاستراتيجي لا يمكن اعتبارها عملية جامدة تخضع لكود للصياغة (style book)، بقدر ما ينبغي أن تكون مرنة بل ومتلونة إن لزم الأمر حسب الموقف والضرورة، فدائرة صناعة القرار ينبغي أن تكون مرنة وقد لا تقبل القولبة الجافة بالشكل المؤسسي المتعارف عليه وخاصة وقت الأزمات([14]).

ربما يبدو هذا الطرح معقدًا من حيث التركيب والتفاعلات البينية وهو بالفعل كذلك، ولكن هذا ما ينبغي الوقوف عليه لدراسة كيفية إدارة قرار الدولة لملفاتها، لذا فهناك قرارات عظيمة استطاعت أن تتجاوز تلك التعقيدات في صناعتها، وهناك قرارات عشوائية رسخت لتعقيدات موروثة كفيلة بتكرار فشل صناعة القرار. ففي لحظة القرار يتشكل المصير([15]).

سنحاول في سياق هذا الطرح صياغة مصفوفة لتناول عملية صناعة القرار الاستراتيجي وفق محددات وعناصر قوة الدولة الشاملة، وذلك كالتالي:

نموذج رقم (3)

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو القرار-الاستراتيجي-عربي-3.jpg

المجال الاستراتيجي

إحداثيات حيوية: مراكز الطاقة – خطوط الملاحة – المضايق – مواجهة أطماع التوسع – الأقليات – الحقوق التاريخية.

إحداثيات المصالح المشتركة: حجم تبادل الاستثمارات – ترسيم الحدود – التاريخ المشترك – وحدة الهوية.

إحداثيات تعارض المصالح: ما قبل الأزمة: التفاوض، الأزمة: تحرك حذر، الصراع: استنزاف، الحرب: مواجهة مباشرة.

المصدر: من إعداد الباحث.

  1. دائرة الأساس: إدارة الجغرافيا Geo- Administration))

هي الدائرة الأساس التي تحدد حجم ومستويات تداخل الدوائر الأخرى ومدى تفاعلاها، فهي تشمل إحداثيات الجغرافيا السياسية Geo – politics))، والجغرافيا الاقتصادية ((Geo – Economic وديموغرافيا السكان (Demography) وفق قاعدة بيانات جغرافية ((Geo – Information متكاملة، وعلى تلك القاعدة تصبح الجغرافيا بدوائرها الفرعية العامل المشترك مع كل الدوائر الرئيسية الأخرى في المصفوفة، لتعمل جميعها في منظومة يمكن توصيفها بإدارة الجغرافيا Geo-) Administration)، والتي تكون هي المدخل لتحديد شبكة مصالح الدائرة الثانية([16]).

2- دائرة شبكة المصالح Interest Network))

على خريطة تقاطع مراكز الطاقة وخطوط الملاحة يمكننا توقيع إحداثيات الصراع حول العالم, فشبكة المصالح أشبه بخيوط عنكبوت سياسية، فهي تربط بين مجالات الحركة والسيطرة اللازم إخضاعها لضمان قوة قرار الدولة في تحقيق أهدافها، وفق مجال استراتيجي (محدد/ متغير) حسب هيكلة أولويات قرار الدولة، وذلك من خلال منظومة إدارة جغرافيا الدول يتم تحديد وتوقيع إحداثيات تأثيرها ومجالها الاستراتيجي لتنسج عليهم شبكة مصالحها([17])، وتنقسم تلك الإحداثيات وفق تقسيمة تاريخية لمصالح الدول كالتالي:

إحداثيات حيوية: مراكز الطاقة والموارد الطبيعية – خطوط الملاحة – المضايق – مواجهة أطماع التوسع – الأقليات – الحقوق التاريخية. إحداثيات المصالح المشتركة: حجم تبادل الاستثمارات – ترسيم الحدود – التاريخ المشترك – وحدة الهوية – وجود عدو مشترك.

إحداثيات تعارض المصالح: مقدمات الأزمة (التفاوض) – أثناء الأزمة (تحرك حذر ) – الصراع (استنزاف) – الحرب (مواجهة مباشرة).

تلك الإحداثيات التي تنسج شبكات المصالح ينتج عنها تفاعلات السياسة الدولية كدائرة ثالثة.

  1. تفاعلات النظام الدولي ((Interactions of the international system

على خيوط شبكة المصالح تصنع تفاعلات السياسة الدولية سواء من خلال الفاعلين الدوليين أو المؤسسات الدولية لتنسج شبكة موازية من التحالفات والتكتلات لحماية مصالحها، ينتج عنها حالة من تعارض أو ربما صدام مصالح بما يؤثر في الاقتصاد الدولي، ومن ثمَّ اقتصاديات الدول خارج أو داخل تلك الشبكة([18]).

  1. القوة الاقتصادية (Economic power)

يتوقف مدى تأثر اقتصاديات الدول بتفاعلات النظام الدولي على عدة عوامل كالتالي:

  • حجم الديون والودائع الخارجية.
  • الموارد الطبيعية التي توظفها الدولة لتحقيق معدلات التنمية المستهدفة.
  • القواعد الصناعية المتقدمة التي تشارك بها في الحرب الاقتصادية الناتجة عن عملية تعارض المصالح بهدف الاستحواذ أو استغلال فرصة توتر الأسواق (الصين نموذجًا).
  • معدلات الاكتفاء الذاتي للدولة والتي تمثل خط إمداد لقوة قرارها الاستراتيجي.

نتيجة لتأثير تلك العوامل تجد الدول نفسها أمام تفاعلات اجتماعية وسياسية داخلية -تابعة للخارج أو وطنية الدوافع- لتتشكل ملامح دائرة إدارة المجتمع.

  1. إدارة المجتمع(society management)

الحضارة هي سيادة تاريخية ((Civilization is a historic sovereignty، فعلى الخط الوسيط العرضي بين دائرة الجغرافيا وإدارة المجتمع تتشكل الهوية الوطنية للدولة لتصبح موروثًا ثم تاريخًا ثم حضارة، هذا إن كانت تستحقها، لتقف المجتمعات أو تنهار أمام التحديات الاقتصادية أو الأزمات السياسية, لذلك تعد إدارة المجتمع هي الوسيلة التاريخية من حيث التوصيف وإن كان مستحدثًا من حيث المصطلح, فلا يمكن توصيف إدارة المجتمع بكونه علمًا مستقلا بقدر ما هو هجين بين علوم قائمة فعليًا تتكامل لإيجاد دراسة أنماط وسلوكيات المجتمعات وإدارته وفق رؤية تحلل هويته وأهدافه للوقوف على نقاط القوة والضعف في نسيجه الاجتماعي, هذا ويمكننا صياغة معادلة لتوصيف مفهوم إدارة المجتمع كالتالي:

إدارة المجتمع = الهوية التاريخية + منظومة التعليم + التوجه والمنهج الإعلامي + المستوى الاقتصادي

تمثل تلك المعادلة معامل الأمان لنظام الدولة القائم على عملية إدارة المجتمع، وتمثل حال وجود خلل أو انحراف لعناصر تلك المعادلة تهديدًا لنظام الدولة تحت الضغوط الاقتصادية أو غياب الهوية وعدم ارتباطها بالغاية القومية للدولة.

  1. هرمية النظام السياسي ((Hierarchy of the political system

تمثل هرمية النظام السياسي طبيعة هيكلة صناعة القرار ((Structure of decision-making في الدولة وقدرتها على تخصيص المهام وفق أولويات قراراها الاستراتيجي, فمتخذ القرار يؤدي مهامه في ظل وجود واقع اجتماعي من ناحية ونظام سياسي وموروث مؤسسي من جهة أخرى، لنجد حالة من التناظر بين المتغيرات الاجتماعية وهرمية النظام السياسي([19])، مع الوضع في الاعتبار وجود السلطة التشريعية وجماعات المصالح والمحددات الدستورية التي ينبغي أن يلتزم بها القرار الاستراتيجي([20]).

  1. القوة العسكرية (Military force)

على خلفية تلك التأثيرات المتتابعة على دائرة صناعة القرار الاستراتيجي تقف القوة العسكرية للدولة، والتي تعد أساس وضرورة تحددها هرمية النظام السياسي للدولة والمتمثل في هيكلية صناعة القرار، فالنظام السياسي للدولة هو ما يحدد (قدرات التسليح – القوة البشرية (كمًّا – كيفًّا) – مجال الحركة القادر على حماية الجغرافيا، حيث دائرة أساس المصفوفة وتأمين شبكة المصالح الناتجة عن منظومة إدارة الجغرافيا هي ما أنتجت المفهوم الأشمل لعملية الصناعة بكونها محصلة تكامل وتتداخل بين العلوم الاستراتيجية لصناعة المستقبل.

ختامًا:

لم يكن هذا الطرح على سبيل الاستعراض العلمي للباحث بل كان محاولة جادة للتنظير لمدرسة عربية لصناعة القرار الاستراتيجي، فبتلك الصناعة يكتب التاريخ بقلم متخذ القرار , خلاصة الأمر تصبح الدول عظمى عندما تمتلك قرارها الاستراتيجي ، وتصبج مجرد دولًا بالاسم عندما يفرض عليها قرارها عند منعطف الأزمة.

للإطلاع على النسخة المصورة (PDF) إضغط هنا

المراجع

  • بهاء الدين مكاوي, القرار السياسي: ماهيته – صناعته – اتخاذه – تحدياته (البحرين: معهد البحرين للتنمية السياسية، سلسلة كتيبات برلمانية, 2017).
  • هيثم البشلاوي، القرار الاستراتيجي دوائر الصناعة والدعم، مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات (تحت الطبع).
  • إدارة الأزمات الدولية، موسوعة مقاتل من الصحراء، الرابط: https://bit.ly/2U3X5Ii.
  • هيثم البشلاوي، سيناء استراتيجية الدفاع بالتنمية، (القاهرة، التقدم للنشر والتوزيع، 2014).
  • سعيد محمد، صنع القرار الاستراتيجي.. العوامل المؤثرة والنتائج، (القاهرة،المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2017).
  • جمال حمدان، شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان- الوسيط (القاهرة، عالم الكتب، 1984).
  • هيثم البشلاوي، المجال الاستراتيجي.. إحداثيات التأثير، مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات (تحت الطبع) 2019.
  • كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة، ط 1 (الكويت، الربيعان للنشر والتوزيع، 1987).
  • Richard C. Snyder and others, decision-making as an approach to the study of international politics,p19,.
  • jonathan renshon and Stanley a.renshon, the theory and practice foreign policy decision making political .psychology,vol.29,no4, 2011.
  • Anderw scout ,the functioning of the international political system , the macmallan .new youk , 2005.
  • janasan m.robrt ,decision making during international crisis ,macmillon,press,1998.
  • JOSEPHNCOOPER :THE ART OF DECISION-MAKING, morrison and gibb ltd,London, 1988.
  • jesn -paul ,buffelan,troduction a la sociology politique,paris,1997,p187.
  1. – بهاءالدين مكاوي, القرار السياسي: ماهيته – صناعته – اتخاذه – تحدياته (البحرين، سلسلة كتيبات برلمانية, 2017) ص 9.
  2. – Richard C. Snyder and others, decision-making as an approach to the study of international politics,p19,.
  3. – هيثم البشلاوي، القرار الاستراتيجي دوائر الصناعة والدعم، مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات (تحت الطبع)، ص 187.
  4. -إدارة الأزمات الدولية، موسوعة مقاتل من الصحراء، الرابط: https://bit.ly/2U3X5Ii.
  5. – سعيد محمد، صنع القرار الاستراتيجي.. العوامل المؤثرة والنتائج، (القاهرة،المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2017) ص 131.
  6. -هيثم البشلاوي، سيناء استراتيجية الدفاع بالتنمية (القاهرة، التقدم للنشر والتوزيع، 2014) ص 156.
  7. إدارة الأزمات الدولية، موسوعة مقاتل من الصحراء، مرجع سابق.
  8. -بهاءالدين مكاوي، القرار السياسي: ماهيته – صناعته – اتخاذه – تحدياته، مرجع سابق، ص 33.
  9. – هيثم البشلاوي، القرار الاستراتيجي دوائر الصناعة والدعم، مرجع سابق، ص 432.
  10. -بهاءالدين مكاوي، القرار السياسي: ماهيته – صناعته – اتخاذه – تحدياته، مرجع سابق، ص 19.
  11. – jonathan renshon and Stanley a.renshon, the theory and practice foreign policy decision making political .psychology,vol.29,no4,2011, p232.
  12. Anderw scout, the functioning of the international political system, the macmallan .new youk, 2005, p65.
  13. -سعيد محمد، صنع القرار الاستراتيجي.. العوامل المؤثرة والنتائج (القاهرة،المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2017) ص 179.
  14. -janasan m.robrt ,decision making during international crisis, macmillon, press, 1998.
  15. JOSEPHNCOOPER, THE ART OF DECISION-MAKING, morrison and gibb ltd ,London, 1988, p65.
  16. – جمال حمدان، شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان- الوسيط (القاهرة، عالم الكتب، 1984) ص 99.
  17. -هيثم البشلاوي، المجال الاستراتيجي.. إحداثيات التأثير، مركز الحكمة للدراسات والبحوث والاستشارات (تحت الطبع) 2019، ص 178.
  18. – ريتشارد سي سيندر وآخرون، صنع القرار كمنهج لدراسة السياسة الدولية، مرجع سابق، ص 143.
  19. – كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة، ط 1 (الكويت، الربيعان للنشر والتوزيع، 1987) ص 115.
  20. -jesn -paul ,buffelan,troduction a la sociology politique,paris,1997,p187.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts